أخ لنا اجتهد فأخطأ

كنت أتابع في الأيام الماضية حلقات للصحفي المصري حسام الغمري ضمن سلسلة “تجربتي في إسطنبول” وقد كانت المرة الثانية التي أشاهدها فيها، فأنا شاهدتها من قبل، ولفتًت نظري كلمة له عندما كان ينتقد طريقة تعاطي الجماعة التي كان ينتمي لها مع أفراد من الجماعة نفسها، ثم قال “هو كل مرة أخ لنا اجتهد فأخطأ، مفيش مرة أخ لنا اجتهد فأصاب”، أنارت هذه الكلمة في عقلي أفكاراً قد تبلورت في مخي قديماً حول الأحزاب والجماعات والأفكار وطريقة تعاطيها مع أبنائها، فبعدما اختمرت التجربة مع مختلف الأفكار والجماعات، ومراقبة ومتابعة بعضها، يظل الثابت هو غياب الموضوعية والنقد الذاتي لأغلبها، في طبيعة إنسانية تنزع لتكوين القطيع، وقد لا يكون الشخص تابعاً للقطيع بالضرورة في أفكاره الحقيقية، لكنه كثيراً ما يشابهه ويقول ما لا يؤمن به ليشابههم في الظاهر.

ولما كان أغلب ما يقال في الساحة داخل هذه المجموعات لا يوافق أفكار كل فرد على حدة بشكل كامل، يكون كل فرد فيهم يميل لتغيير أفكاره لتوافق المجموعة بدلاً من البوح بأفكاره الخاصة وتبقى أفكاره الحقيقية في عقله الباطن، لا تذهب للأبد، هي هناك لكنها منسية، وهناك قطاع آخر من الأفكار، هو ضد مصلحة الأفراد لكنه في مصلحة الحركة أو الجماعة، يكاد لا يطبقه أحد من أفراد الجماعة أنفسهم في حياته الخاصة لكنه لا بد للفرد أن يدافع عنه، ويصرف له الوقت والجهد وطاقته الذهنية وربما يخوض المناظرات والجدالات مع أشخاص معتبرين أو غير معتبرين، لأنه في النهاية يؤثر في هويته الكلية.

أتباع الأحزاب والجماعات والأفكار المعلبة سواء ءأطلقنا عليهم نخبوياً أتباع الحركات الجماهيرية، أو شعبوياً أتباع القطيع، تكاسل قطاع منهم عن تكوين فكرهم الخاص في بعض الأحيان -وإلا الأسباب في الواقع كثيرة- أو خافوا من التعبير عن أفكارهم بشكل واضح وصريح، فيركن الكثير منهم لاتباع أفكار الجماعة، بل حتى إذا ناقشهم أحد قد يكون آخر عذر لهم هو أنه من المؤكد أن منظرينا وعلماءنا يعرفون الرد على هذه النقاشات، عكسنا نحن البسطاء، تعذر عليهم تكوين هويتهم الخاصة، وهو المهم لأي إنسان، واستبدلوه بهوية جاهزة، ستناقض أفكارهم في بعض الأحيان، وستنحرف عنها في كثير أخرى، ولكنها هي الحل الآمن لعقول قلقة ومشتتة.

أما عندما تطرح فكرة قد تكون خارج الصندوق، أو حتى تخالف نسق الحزب بشكل فاضح ولا يمكن التبرير لها، خصوصاً إن كانت تأتي من نخبة هذا الحزب، فسيكون التهوين والتقليل منها دائماً “أخ لنا اجتهد فأخطأ”، فعندما لا يفلح تغيير القناعات، ولا السكوت عن الغريب منها، سيتم التهوين من الفاضح منها، بأقل عبارات النقد العفيف، فحتى الخطأ الفج سيكون نتيجة شيء شريف ونبيل، وهو “الاجتهاد”.

يطرح هذا التعاطي سؤالاً عن غياب الموضوعية والنقد الذاتي والتفكير النقدي لأي جماعة، يجعلك تعتقد بعد التفكر فيه أنه من المستحيل وجود ذلك في جماعة بعينها، وتنظر للفردانية بشكل آخر، إذ إن العصامية الفكرية قاسية، فهي تجعلك وحيداً في الحقيقة لكنك ستكون حقيقياً قدر الإمكان، يُقال إن فكر الإنسان ما هو إلا وعاء مدخلاته التي حدثت معه في الواقع، وإن كانت العصامية الفكرية هي مخرجات هذه المدخلات فهي بالطبع أكثر إفادة بشكل كبير من أخذ مخرجات الغير والدفاع عنها والانتماء لها لمجرد إعجابك بمظاهرها.

تبقى العصامية الفكرية، والموضوعية، والتجرد، أشياء مضادة للشهوات بطبعها، فهي تدفعك لتدفع غيرك للتفكير والاستقلالية وبالتالي لن يوافقك في أفكارك بشكل كامل في أغلب الأحيان، إذ إن مدخلاته تختلف عن مدخلاتك، وهذا يحارب شهوة الاتباع، وتدفعك أيضاً للبقاء وحيداً وعدم الانتماء الكلي، وهذا يحارب شهوة الانتماء. لكنه شيء وحيد يجعلك صادقاً وحقيقياً ولك وزن أمام نفسك، أو هكذا أعتقد.

وقد يأتي شيء من الفعل الفاضح من طرف مخالف تماماً، أو يقارب حزبك الخاص في الأفكار لكنه ينافسه في الصدارة، وقتها لن يكون للاجتهاد مجال، وستُسَن عليه السكاكين ويتم الطعن فيه وفي نواياه ورميه بأشد عبارات النقد اللاذع! والطرف الآخر لن يكون بريئاً تماماً، إذ إنه سينزع لارتكاب نفس الأفعال في نفس الحالة، وهذا قدر الأحزاب والجماعات.

والحكم على هذه التصرفات بوصفها “قدر الجماعات” ليس رأيًا شخصيًا، وليس خلل في الإدارة والتنظيم لدى الأحزاب نفسها، بل هو شيء متجذر في طبيعة البشر، ويخرج عنه من كان واعيًا به فقط وله إرادة في تغييره ونجح في ذلك، في كتابه “ضحايا التفكير الجماعي: دراسة نفسية لقرارات وإخفاقات السياسة الخارجية” يطرح عالم النفس والباحث الأمريكي إيرفينج جانيس، أن رغبة الأفراد في التوافق وتجنب النبذ تدفعهم لقمع شكوكهم الشخصية بشكل إرادي، وصولاً إلى اتخاذ قرارات كارثية أو تبني أفكار غير منطقية فقط للحفاظ على تماسك الجماعة، فالجماعة تصبح هي هوية الفرد نفسه بعدما محا هويته الشخصية وقد تحدث إيريك هوفر في كتابه عن هذا ببراعة، بعنوان “المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية” وهو من أفضل الكتب لقراءتها في هذا الباب وهو مترجم للعربية بواسطة الأديب الراحل غازي القصيبي.

المفارقة أن طريقة النقد تختلف وتتحول تماماً عندما نأتي للتساؤلات النقدية، فعندما يطرح التساؤل من شخص بسيط خارج الحزب، يتم الترحيب به واعتبار سؤاله فرصة للنقاش “طمعًا” في ضمه لنفس الفكر، وحتى هذه النقطة لا يظهر ما يعيب ذلك، ولكنها ليست بهذا القدر من البراءة، إذ أن التساؤل إن جاء من داخل الجماعة نفسها يتحول فجأة إلى مصدر للفتنة ومخل بالصف ومخترق يجب تحجيمه أو عزله. وكأنها ألعاب العقل، فأنت مرحب بتساؤلاتك حتى تدخل الصف، ثم بعد ذلك سيجري عليك النظام، ذاته النظام الذي يكافئ المنافق ويعاقب الصادق، حيث يصبح الولاء أهم من الوصول لحقيقة الأمور والنظر لها بموضوعية، ويميل الحال، وتتغير المبادئ وتتبدل وفقاً للمصلحة المرحلية للحزب، ويتم تغليف هذه التصرفات بأطنان من الشعارات النبيلة التي تستخدم للاستهلاك المحلي داخل عقول أتباع الأحزاب.

ولعدم انتباه أغلب الناس لهذه الأمور، لأنهم إن لاحظوها في حزب، سينتقدونه دون انتقاد حزبهم، فهم في دائرة مغلقة، إما مع الحزب هذا أو ذاك، لكننا نحارب الكل إلا أنفسنا، ولأجل هذه الحقيقة فالعصامية الفكرية ليست مجرد قرار، بل هي التزام دائم بدفع تكلفة الانزعاج الفكري، وتحمل الألم النفسي والذهني الناتج عن اكتشاف أنك كنت مخطئًا لسنوات في فكرة دافعت عنها باستماتة، وتعريض العقل لمدخلات وأفكار تتصادم مع قناعاته المسبقة بأسئلة موضوعية، وقراءة ما يخالف الرأي قبل ما يوافقه، هذه القسوة التي تتسم بها العصامية الفكرية تأتي من إدراك الفرد أنه لا توجد مظلة جماعية تحميه وتبرر أخطاءه، فهو المسؤول الوحيد عن مخرجات عقله. وعلى الرغم من أن هذا المسار يفرض عزلة موحشة، ويجرد الإنسان من دفء الانتماء الزائف، إلا أنه يمنحه في المقابل شيئاً أثمن وأكثر استدامة؛ التطابق التام بين ما يضمره في نفسه وما يعلنه للعالم.

أرشح لك أيضًا